سهيلة عبد الباعث الترجمان
802
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
إلا بغيره فهو فقير ، فهذا حال كل ما سوى اللّه تعالى ، فارفع الهمة في أن لا تأخذ علما إلا من اللّه تعالى على الكشف ، فإنه عند المحققين لا فاعل إلا اللّه ، فلا تأخذون إلا عن اللّه تعالى . واعلم أن أهل الأفكار إذا بلغوا فيها الغاية القصوى أداهم فكرهم إلى حال المقلّد الصميم فإن الأمر أعظم من أن يفعله الفكر ، فإذن ينبغي للعاقل أن يتعرض لنفحات الجود ولا يبقى مأسورا في قيد نظره وكسبه فإنه على شبهة من ذلك . فكان ذلك سببا لاعتزاله وتبديله أقواله بأحواله وأثرت فيه غاية التأثير وأفاضت عليه خيرا كثيرا « 1 » . يتضح لنا من كل ذلك أن ابن عربي لم يكن صاحب فكر فلسفي ، ولم يكن له تأثر بالفلسفة رغم معرفته لمصطلحاتها التي كانت شائعة الاستعمال في عصره ، وإن كان قد استخدمها في بعض تعبيراته ، إنما على غير ما هو متعارف لدى الفلاسفة ، بل ظل ملتزما لطريق الصوفية ، وقد شهد له بذلك أبو الوليد بن رشد فيلسوف قرطبة في حواره كما أسلفنا سابقا وذلك عند لقائه معه فقال : الحمد للّه الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين مغاليق أبوابها ( أي المعرفة الإلهية ) ، والحمد للّه الذي خصني برؤيته . وهذه شهادة فيلسوف كبير صادق في حكمه على تصوف ابن عربي وخلو فكره من التفلسف . وبالرغم من موقف ابن عربي المعارض للفلاسفة فقد أحسن الظن بهم واعتبر أن علومهم ليست كلها باطلة إذ قد تنطوي على حكم ومواعظ وتبرّي من الشهوات فقال : " لا يحجبنك أيها الناظر في هذا الصنف من العلم الذي هو العلم النبوي الموروث منهم صلوات اللّه عليهم إذا وقفت على مسألة من مسائلهم قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق أنه فيلسوف لكون الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها واعتقدها ، وأنه نقلها منهم ، أو أنه لا دين له ، فلا تفعل يا أخي فهذا قول من لا تحصيل له ، إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما إن وجدنا الرسول عليه السلام قد قال بها ، ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبرّي
--> ( 1 ) ابن عربي ، رسالة إلى الإمام الرازي ، ( رسائل ) ، ص . ص 3 - 4 .